اسماعيل بن محمد القونوي
277
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
بهذه الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر ) والإشكال بأن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم مدفوع بأن النفي لإعانة الغير النصرة وهي جلب المنفعة لا حاجة إلى ذلك النفي فإن الكفار لا يتوقع لهم المنفعة . قوله : ( لا تقل الكبائر ) خص أهل الكبائر بالذكر لأنه المتنازع فيه بخلاف قبول الشفاعة للمطيعين في زيادة الثواب وعدم قبولها للكفار أصلا وأما الصغائر فمعفوة عن مجتنب الكبائر عند المعتزلة وجه تمسكهم بها توهم العموم فإن النفس العاصية عامة لأهل الكبائر كما تعم للكفار والعبرة لعموم اللفظ وإن كان السبب خاصا فيكون الخطاب للكفار والآية نازلة فيهم لا يدفع العموم المنفهم من اللفظ . قوله : ( وأجيب ) أي أجاب أهل السنة عن شبهتهم ( بأنها ) وإن سلم عمومها لكنها ( مخصوصة بالكفار للآيات ) من قبيل عام خص منه البعض بدليل وهو الآيات الناطقة ( والأحاديث الواردة في الشفاعة ) في شفاعة أهل الكبائر وقبولها أما الآيات فكقوله تعالى لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً [ مريم : 87 ] وصاحب الكبيرة اتخذ عند الرحمن عهدا بالإيمان والتوحيد لقوله عليه السّلام من قال لا إله إلا اللّه ولم يشرك به شيئا فقد اتخذ عند الرحمن عهدا فيكون داخلا تحت هذه الآية وقوله تعالى : وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [ محمد : 19 ] فإن الأمر بطلب المغفرة يدل على صحة الشفاعة منه عليه السّلام لأهل الكبائر إذ لا معنى للشفاعة إلا طلب المغفرة وكقوله صلّى اللّه عليه وسلّم ( شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ) وغيره مما بلغ مبلغ حد التواتر معنى وهذا وإن لم يكن قطعيا في الدلالة على المقصود لكنه كاف في التخصيص إذ آية وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ [ البقرة : 46 ] عام خص منه البعض بدليل قطعي وهو الإجماع على قبول الشفاعة للمؤمنين في زيادة الثواب ورفع الدرجات مع شمول اللفظ إياها نظرا إلى عمومها لجميع الأشخاص فتكون تلك الآية ظنية في الدلالة على ما عدها وقد تقرر في الأصول أن الدليل القطعي العام بعد ما خص منه بدليل قطعي أولا يجوز تخصيصه بدليل ظني ثانيا ليصير ذلك القطعي ظنيا وما نحن فيه من هذا القبيل كما عرفت فلا حاجة إلى الجواب بمنع عمومها للأشخاص لأن وقوع النكرة في سياق النفي تعم ( ولا ) إلى الجواب يمنع عمومها لجميع المواقف والأوقات بل هذا الأخير يؤدي إلى سوء إيهام وهو أن عدم قبول الشفاعة للكفار لا يسلم عمومها لجميع المواقف والأوقات . قوله : ( ويؤيده أن الخطاب معهم ) أي مع الكفار وإن كان المراد كفارا مخصوصين أن لا قائل بالفصل وإنما قال يؤيده ولم يقل ويدل لما مر من أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص المورد كذا قالوا وفيه ما فيه إذ الخطاب لما كان معهم فكيف يكون عاما لغيرهم أنه لا شفاعة لهم بل للمؤمنين المستحقين للثواب خصوص الزيادة على ما استحقوه من الثواب والأشاعرة على أنه يشفع لأهل الكبائر في عرصة القيامة حتى لا يدخلوا النار أو يشفع لهم حتى يخرجوا من النار إن دخلوا فيها والزمخشري إنما ذهب إلى عموم الآية تقوية لمذهبه .